محمد محمد أبو ليلة
177
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
يقول ابن كثير : " مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه فلعلّه لم يسمعهما من النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولم يتواتر عنده ثم رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة فإن الصحابة رضوان اللّه عنهم أثبتوها في المصاحف الأئمة وأنفذوها إلى الآفاق " . وأما ما روى من أن ابن مسعود رفض أن يحرق مصحفه ، فليس بقادح في إجماع الصحابة على قراءة المصحف العثماني التي أقر بصحتها ابن مسعود نفسه فيما بعد . ثم إن عثمان لم يأمر أحدا بحرق مصحفه أمر إلزام ، ولا عاقب أحدا على مخالفة ذلك ، وإلا لاختفت جميع المصاحف من الأمصار الإسلامية ؛ وهو ما لم يحدث البتّة ؛ على أن ابن النديم ( ت : 377 - 987 ) حدث بأنه رأى مصحفا ، ينسب إلى ابن مسعود كتب منذ نحو من مائتي سنة فيه فاتحة الكتاب « 1 » . كذلك يمكن توجيه اعتراض ابن مسعود وتمسكه بمصحفه على أنه كان في بداية الأمر ، فلما تبين له إجماع الصحابة نزل عن رأيه إلى رأيهم كما أوضحناه من قبل . ورأى العلماء قراءة مصحفه سدّا للذرائع ، ولأنه كتب فيه أشياء لنفسه على سبيل التفسير « 2 » ؛ وما يقال بالنسبة لعبد اللّه بن مسعود يقال كذلك بالنسبة للصحابة الآخرين الذين ذكر المستشرقون أسماءهم وأشاروا إلى مصاحفهم والتي جمعها « 3 » المستشرق جفري ، ونشرها في كتاب مستقل ؛ هذا مع أن وجود مثل هذه المصاحف يدل من طريق قريب على اهتمام المسلمين بكتابة القرآن وتسجيل القراءات المتعددة له ، وهو مما يحسب للمسلمين لا عليهم . ونضيف إلى هذا أننا إذا جمعنا كل هذه الاختلافات الموجودة في المصاحف السابقة على مصحف عثمان لاستطعنا بسهولة ويسر أن نوفق بينها وأن نستخلص منها جميعا مصحف عثمان ، وأما ما تضمنته هذه المصاحف من خلافات يسيرة فتحمل على أنها قراءات مختلفة ، حفظها أصحابها بعد أن سمعوها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بطريق الآحاد ، أو أنها نتجت عن الاختلاف في طريقة الرسم والشكل والنقط ، على أن القرآن كله كان محفوظا
--> ( 1 ) الفهرست ص 40 . ( 2 ) ابن عطية المحرر الوجيز 1 / 48 . ( 3 ) انظر : دائرة المعارف الإسلامية ( النص الإنجليزى ص 406 وأرثر جفرى . كتاب المصاحف لابن أبي داود السجستاني ص 5 ، وما بعدها وكتاب المباني ( كتب سنة 450 ه ) لمؤلف مجهول نشره أرثر جفرى مع مقدمة ابن عطية ص 20 وما بعدها .